جنيه ذهب

جنيه ذهب


صوتها يسبح فى الفراغ الذى بينهما ويسقط قبل أن يصل لأذنيه ..لم يستمع إلى كلمة واحدة مما قالت .. وهى تقف ..تشرح .. تضحك .. تجلس .
عيناه معلقتان بصدرها ، يتأمله وهو يرقد مستقرا ، لامعا ساخرا فوقه ، ترفعه لشفتيها ، تعبث به ، تدحرجه ، يتشبث بالسلسة الذهبية يتدلى فى عناد . ثمنه ثلاثمائة جنيه . آخر قسط للحجرة مائتان و خمسون جنيها .. كيف أطلبه منها ؟
الذهب الوحيد لديها ، وهبه لها صاحب المصنع هدية خطبتها .. كانت أول مرة ترى جنيها ذهبيا .
أشفقت عليها أمها ..وهى تراها تعلقه فى فتلة من الصوف المجدول لتراه على صدرها ثم ترفعه وتضعه برفق فى مكانه .  إنسكبت دموعها وهى تخفض رأسها ؛ لتنزع الحلق من أذنيها .. قالت و صوتها يموج بالحزن :
- سأبيعه ..أشترى سلسة للبنت ، تعلق فيها الجنيه الذهب .
- لكنه الباقى من ريحة المرحومة أمك .
جففت عينيها بكم الجلباب .. رفعت رأسها فى إصرار :
- الحى أبقى من الميت .
سحبت همسها من بين أضراس الوهن :

- أمى فى قلبى لكن ابنتى .. ابنتى ......
ألقت بالحلق بين يديه .. لحقت بها عيناه وهى تهرول إلى المطبخ .
ارتعش فم الفتاة – حين عودتها من الخارج – وعيناها تقعان على علبة القطيفة الحمراء المسجاة فوق المنضدة .. شاغرة بدون الجنيه . سبقت كلامها نظرة إلى الجنيه معلقا فى السلسة .. هتفت :
ذهب السلسة دى ذهب يا أمى ؟ -
تعلقت بصدرها تقبلها .. لم يلفت اهتمامها غياب الحلق .. غرقت فى تأمل صدرها ..تتباهى على المرأة ، بفتنتها السابحة فى بريق الذهب .
أعتقد خطيبها عندما شاهده يتدلى من صدرها ؛ أنهم لن يعجزوا عن شراء حجرة النوم بألفى جنيه .
عاد الرجل ينظر إلى صدر ابنته :
كيف أطلبه منها الآن .. وماذا أقول لها ؟ أعطينى الجنيه الذهب .. أبيعه .. موعد القسط قد حل و لا أملكه .. ولم لا ؟ !
فحجرة النوم لها .. كيف اغتال فرحتها ؟
                                        لا .. لا . -
ماذا حدث يا أبى .. لا داعى... اختر أنت الموعد . -
موعد ماذا ؟ عما تتكلمين !! -
- الزفاف ..كنت أقول لك إن خطيبى يريد الدخول بعد شهر .. لو لم يكن مناسبا .. نجعله بعد شهرين .
هل أقول لها الآن .. إن زواجك متوقف على مائتين وخمسين جنيها ..وأن الجنيه الذهب يحل الأزمة .. كيف أكسر نفسها أمام عجز أبيها  ؟! خرجت الأنة منه كما لو كان يقول :
يارب . -
ماذا بك يا أبى ما الذى يضايقك ؟ هل أنت حزين لأننى سأترك البيت ؟ -
تعثرت نظرته فوق نتواءت القلق الرابض فى عينيها مزقتها .. همس :
يا ابنتى ... نعم أنا حزين مهموم . -
ضمها لصدره .. معلقا عينيه بخط واه يمتد من السماء لداخل الغرفة .. برفق تملصت من بين ذراعيه ، تدارى دمعاتها ، بكفين مرتعشين .. تأملته كاتمة مرجل قلقها فى صدرها :
هناك شىء آخر .. أرجو ألا يغضبك منى .. لقد طلب إبراهيم خطيبى أن أساعده فى دفع مقدم البوتجاز . -
إنتفض واقفا .. أقعدته برقة :
لن نأخذه منك بالطبع .. أنا عارفه الحال .. فكرت فى بيع السلسة الذهبية .. هى تفى بالغرض . -
انفجرت الكلمات من فمه :
.....و الجنيه الذهب ؟! -
 - لا .. لن أبيعه فهو أغلى من السلسة .. سوف أحتفظ به عندكم .. إلى أن يفرجها ربنا .. ويشترى لى إبراهيم سلسلة غيرها .. ماذا ترى يا أبى ؟
طال صمته .. خالته لن ينطق أبدا .. عيونها تتلقف الحروف من فمه :
الفرح بعد شهر ياابنتى . -
                                *******************
دمعت عيناه وهو يدور فى حجرتها الخالية من أنفاسها . الليلة تدفئ أنفاسها منزل رجل آخر .. بكى طويلا أمام صورتها ، تزوجت طفلته اليوم ، غادرت البيت ، لكنها مازالت تسكن القلب ، نظر لفرحة الأم .. تأملها وهى تنفى دمعتها بعيدا .. يشرب الوجه بسمتها المرتاحة .. خلعت وشاحها من فوق رأسها ، أسندتها على كتفه ، تأمل الفتلتين المتدليتين من خرم أذنيها .. يذكرانه بالحلق ، ألقى ببصره المذهول إلى علبة القطيفة الخالية .. من عمق قلبه نز سؤال :
ماذا اقول لأبنتى عندما تأتى لتسترد الأمانة ؟ !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق